الخميس، 15 أكتوبر 2020

عن العنف والالم

كانت دوما تجيد الفصل بين العمل والعاطفة حتی وسط أحلك الظروف. كانت دوما تستمع لحوادث العنف بكل ثبات،  وحين تنهي عملها تبكي كيفما شاءت وتحزن وتكتئب. فحينما يتعلق الأمر بالعمل والمسؤولية كانت تنجزه بكل حيادية . في بداياتها لم تكن بتلك المهنية، ولكنها تدربت كثيرا حتى وصلت لهذا الأمر. ولكن رغم كل ذلك تغيرت وفقدت بعضًا من مهنيتها ! تغيرت حين سمعت ورأت امامها بعض ملامح قصتها وهي تروي على ألسنة آخرين !!

وهنا تبدأ الحكاية ففي ذات يوم فتحت حاسوبها الشخصي وتأهبت للعمل وبدأت نقرأ حالة عنف تلو الأخرى قراءة سريعة، لم ينتج عن تلك القراءة إلا منع تقسيم مبدئي لدراسة كل حالة عنف على جدي وبدأت مع الحالة الأولى وتعمقت بداخلها وتشاركت أبعادها وتوحدت مع شخصيتها ولم تستطع أن تكمل.

ذهبت لإعداد المزيد من القهوة لكي تستعيد تركيزها وعاودت القراءة. وأثناء قراءتها بكت! بكت حينما رأت نفسها مكان الضحية الناجية بكت بكاء حارًا وكأنها تعرضت الآن للعنف وليس من سنوات. واسترجعت تلك الأيام القاسية حين حدثت أول حادثة تحرش وهي طفلة تبكي. تذكرت كيف حكت لوالدتها عن تعرضها للعنف، وكان كل ما يهم أمها أن هذا الذئب لم يلمس جسم ابنتها الصغيرة أو يمس شرفها. وتلك الحادثة اجترت باقي سلسلة الألم والصدمة الناتجة عن العنف. تذكرت حين ضربها أخيها لمجرد ارتدائها بنطال ضيقة، وحين تنمر عليها أخيها الأخر بسبب مظهرها الرجولي، وحين عنفها أبيها لملابسها السوداء، وحين فرضوا عليها أسلوب حياتها ومكانها ومصروفها وحركاتها.

تذكرت كل ذلك وأكثر حين رأت كلمات الناجية من العنف تروي بعض ملامح حياتها الشخصية، استغلالها العاطفي والجنسي من شركاء سابقين بداعي الحب والخوف، عدم نضجها في الماضي وعدم وعيها بحقوقها، حياتها حين وافقت أن تمارس الجنس لإرضاء شريكة ولم تكن تشعر بأي رغبة، أنينها حين تمت معايرتها بحياتها الجنسية غير المثالية، حيرتها الدائمة في اكتشاف نفسها، وقلة فرصها في حسم العديد من القضايا الداخلية.

كانت وقتها تمر بأكثر الأوقات شراسة ولم تجد معها مضادات الاكتئاب التي تواظب عليها لتتحسن. حاولت التركيز أكثر في قصة الضحية، وقرأت عن معاناتها النفسية وردود أفعالها فعادت لأفكارها مرة أخرى وتذكرت كيف كانت تبكي وتئن في صمت. وتحاول الانتحار أيضا في صمت!! كيف كانت فاقدة للهدف والمستقبل والمعني، كيف كانت ومازالت متألمة. وشردت للحظات في معنى وهدف الألم.

دار في رأسها تألمها حين أجبرت على أن تتأكد من عذريتها بنفسها نتيجة التشكيك بها وحيرتها المؤلمة حين أقنعوها آنها تفعل أشياء لم تفعلها. وغضبها الثائر في كل مرة تعرضت فيها للضرب والتعنيف وفي كل مرة تعرضت فيها للتحرش والاستغلال الجنسي، وكل مرة مورست عليها سلطوية الدين والمال والأهل ، وكل مرة تم استغلالها ماديا ومعنويا وعاطفيا ، وكل مرة نبذها المجتمع المحيط أو تنمر عليها أحد بسبب مظهرها وغير نمطية هويتها الجندرية ، وكل مرة عنفها صديق أو بعد عنها بسبب ميولها. تذكرت بكاءها المر حين تخلى عنها أهلها، وحزتها العميق وقت ضياع حقها وغضبها وقلة حيلتها حين صبرت على المعاملات المهينة والعمل لحاجتها للمال.

تذكرت شريط الأحداث المأساوية في حياتها و الم ضحايا العنف وما شعروا به وقت تعرضهم أ للحوادث المختلفة وما يشعرون به الآن بعد التعافي. حينها دار في رأسها فكرتها الأساسية عن الألم، فهو جدير بتغيير الشخص لكن ما سيتغير إليه ستكون نسخة أشد بؤسا حتى وإن كانت أقوى. إن ذكرى الألم تحفر بالوجدان بسيف من نار لا تمحوها أي سعادة مستقبلية. والشخص المتألم ما لم يساعد نفسه بتسكين الألم لن يجد مخرجا، فلا أصدقاء ولا معالجين ولا أدوية ولا وسائل ترفيه ستجدي إن لم يقرر الفرد أن يتجاوز ألمه ويعمل على محو آثاره.

وفجأة قررت أن تتجاوز كل تلك الذكريات وما نتج عنها من مآس وآلام، وأغلقت الحاسوب واستغرقت في صمت صاخب !!

تم نشره في مجلة شُباك

كيف تدعم الأسرة اطفالها الكويريين/ات

تزايد مؤخرا عدد المراهقين/ات الذين/اللائي يعرفون/ن انفسهم/ن بأنهم/ن كويريين/ات من ذوي/ات الميول الجنسية المختلفة، وذلك مع ازدياد الوعي وتوا...